|
الشفاعة سنة اجتماعية جرت عليها أعراف الناس على مر العصور، سواء كانت شفاعة حسنة [جلب منفعة أو دفع ضر] فيكون للشافع ثوابها، أو شفاعة سيئة [جلب ضر أو دفع منفعة] فيحمل الشافع وزرها. وقد بين الله ذلك بقوله في سورة النساء:
مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً [85]
إن سياق هذه الآية لا يتحدث عن فعل الإنسان للحسنات [التي تضاعف]، أو للسيئات [التي يجزى بمثلها] وإنما عن الشفاعة الحسنة المؤدية إلى إحقاق الحق، أو الشفاعة السيئة المؤدية إلى إسقاط الحق. فالقائم بالشفاعة الحسنة له نصيب في الجزاء والثواب العظيم الذي ستسفر عنه هذه الشفاعة الحسنة، دون مشقة أو عنت. أما القائم بالشفاعة السيئة فحمله ثقيل وشاق لأن شفاعته تسقط الحقوق، وتقوي الباطل، لذلك كان عند الله تعالى كافلا وضامنا لثمرة هذه الشفاعة، وعلى هذا الأساس كان عقابه عظيما.
ولقد توسعت المجتمعات على مر العصور في معنى هذه الشفاعة، ونقلوها من دائرة الشفاعة في الدنيا إلى دائرة الحساب في الآخرة. ففريق زعم أن آلهتهم ستشفع لهم يوم الحساب، فرد الله تعالى عليهم بقوله في سورة الأنعام:
وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [94]
وبقوله تعالى في سورة يونس:
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [18]
وفريق زعم أن سلالتهم المفضلة على سائر البشر [شعب الله المختار] ستكون شافعة لهم في الآخرة، وهؤلاء رد الله تعالى عليهم بقوله في سورة المائدة:
وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [18]
وفريق آخر زعم أن الملائكة والنبيين سيشفعون لهم في الآخرة، فنفي الله تعالى هذا الزعم وبيّن أن مهمة الملائكة والنبيين هي تنفيذ ما كلفهم الله تعالى به، الأمر الذي لا نعلمه إلا إذا أخبرنا الله تعالى به. وقد أخبرنا الله تعالى في سورة سبأ فقال:
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ [40] قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [41] فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرّاً وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [42]
وخاطب الله رسوله محمدا، صلى الله عليه وسلم، في سورة الزمر فقال:
أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ [19]
وخاطبه أيضا في سورة الإسراء فقال تعالى:
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً [54] وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً [55] قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلاً [56]
وآخرون من المنتسبين إلى الكتب الإلهية، ورثوا تصورات ومفاهيم خاطئة عن طبيعة وميزان الحساب في الآخرة، فرد الله تعالى عليهم بقوله في سورة البقرة:
وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [80] بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [81] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [82]
لقد بين الله تعالى لهم طبيعة ميزان الحساب في الآخرة فقال تعالى:
بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.
ولقد جاءت هذه الآيات وسط تحذير الله تعالى لبني إسرائيل من هذا الاعتقاد الباطل، وتكرر هذا التحذير مرتين، الأولى عند قوله تعالى:
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [47] وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ [48]
والثانية عند قوله تعالى:
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [122] وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ [123]
ولم يغفل القرآن عن تحذير المؤمنين من أن يحذو حذو هؤلاء، فقال تعالى أيضا في سورة البقرة:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ [254]
فلماذا شمل هذا التحذير المؤمنين؟؟ هل كانوا يعتقدون بوجود شفعاء في الآخرة فنزل القرآن يحذرهم من هذا الاعتقاد؟
والجواب: قطعا لا، بل ومستحيل، وإنما لأن السياق جاء يبين أن عدم الالتزام بأحكام الشريعة يؤدي إلى ظلم النفس والكفر، كان من الضروري أن يتضمن هذا السياق إبطال زعم الكافرين وجود شفعاء لهم في الآخرة. بدليل أنه عندما تكرر هذا المعنى في سياق آخر، دون الإشارة لمسألة الكفر، خلا السياق من ذكر الشفاعة، فقال تعالى في سورة إبراهيم:
قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ [31]
ولقد بين الله تعالى لهؤلاء الذين زعموا وجود شفعاء لهم في الآخرة أن في هذا اليوم لن ينفع ولي ولا شفيع أحدا، فقال تعالى في سورة الأنعام:
وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [51]
وقال أيضا في نفس السورة:
وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ [70]
وقال تعالى في سورة الكهف:
قُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً [26]
وفي سورة السجدة:
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ [4]
وفي سورة غافر:
وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [18]
ثم يأتي القرآن ويحسم هذه القضية ويبين أن أمر الشفاعة كله لله، فيقول تعالى في سورة الزمر:
أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ [43] قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [44]
ويقول تعالى في سورة الانفطار:
وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [17] ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [18] يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [19]
وللوقوف على مزيد من الآيات التي تنفي نفيا قاطعا وجود مثل هذه الشفاعة في الآخرة تدبر أيضا هذه المجموعة من الآيات: الأعراف [53] ـ الشعراء [96ـ102] ـ الروم [12ـ13] ـ يس [22ـ24، 94] ـ الزمر [43] ـ المدّثر [43ـ49].
فبدعة وجود شفعاء في الآخرة يدخلون الجنة من شاءوا، ويخرجون من النار من شاءوا، هي من البدع والتصورات التي كانت منتشرة في عصر الرسالة الخاتمة، والموروثة عن أتباع الديانات السابقة، والمنحرفة عن صراط الله المستقيم. لذلك نزل القرآن يكشف زيفها وبطلانها. فكان من الضروري أن يبين الله تعالى الأساس الذي يقوم عليه ميزان الحساب في الآخرة، فقال تعالى في سورة الأنبياء:
وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [46] وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [47]
وقال تعالى في سورة آل عمران:
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [30]
تدبر قوله تعالى [يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ]. فميزان الحساب في الآخرة غير ميزان الدنيا، وهذا الذي ستجده النفس حاضرا هو عملها في الدنيا الذي ستجازى عليه في الآخرة. لذلك ستشعر النفس صاحبة العمل السيئ بهذا الشعور [تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً] في هذا اليوم.
إن صحاب السيئة لن يجد من دون الله من يمحو سيئته يوم القيامة. وقد بين الله للناس في الدنيا كيف يعمل قانون الحساب في الآخرة، فقال تعالى في سورة النساء:
وقد رد الله تعالى على من يؤمنون بشفاعة الشافعين في الآخرة، فقال في سورة النساء:
لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً [123] وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً [124]
إذن فالجزاء في الآخرة مرتبط بعمل الدنيا. ثم تأتي آيات أخرى تبين أن هذا العمل يجب أن يكون في حدود الشريعة التي أمر الله تعالى باتباعها، كي يدخل صاحبه الجنة. فقال تعالى في سورة النساء:
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [13] وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [14]
وقال تعالى في سورة الجن:
قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً [22] إِلاَّ بَلاغاً مِنْ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً [23]
إن التحذير من معصية الله ورسوله في الآيتين، ومن دخول العاصي النار خالدا فيها، خاطب به الله تعالى المسلمين في سياق الحديث عن ملة التوحيد، والالتزام بأحكام الشريعة، فماذا يعني ذلك؟؟ يعني أن ميزان الحساب في الآخرة لا يعرف إلا عمل الإنسان، ومدى موافقة هذا العمل لأحكام الشريعة. فلا يعرف رأفة، ولا محسوبية، ولا مجاملة لأحد. يقول الله تعالى في سورة الزلزلة:
يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ [6] فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه [7] وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه [8]
فالإنسان هو المسئول وحده عن عمله، وسيوفيه الله تعالى الجزاء الأوفى. وفي هذا السياق جاء البيان القرآني واضحا لا شبهة فيه. يقول الله تعالى في سورة النجم:
أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [38] وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى [39] وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى [40] ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى [41]
وتدبر قوله تعالى في سورة الإسراء:
وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً [13] اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [14] مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [15]
ويقول الله تعالى في سورة النحل:
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [111]
وتدبر قول الله تعالى في سورة الزمر:
وَأَشْرَقَتْ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [69] وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ [70]
وقوله تعالى في سورة غافر:
يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [16] الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [17]
إن التوبة، وسلامة القلب، والعمل الصالح، مفتاح للجنة، ولقد أكد القرآن على هذه الحقيقة في كثير من المواضع، فقال تعالى في سورة النحل:
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [32]
إن باب التوبة مفتوح دوما للمذنبين، مهما بلغت ذنوبهم، تدبر قوله تعالى في سورة مريم:
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً [59] إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً [60]
وتدبر قول الله تعالى سورة الشعراء:
يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ [88] إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [89]
وقوله تعالى في سورة الزخرف:
وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [72]
بل إن التوبة والعمل الصالح يشفعان للإنسان يوم القيامة، فيبدل الله سيئاته حسنات. يقول تعالى في سورة الفرقان:
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً [68] يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً [69] إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [70] وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً [71]
إن مسألة محو السيئات، وتكفير ذنوب أهل الكبائر، مجالها الحياة الدنيا، وتأتي في إطار فاعلية أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وعلى رأسها صفة الرحمة، فيقول تعالى في سورة الأنعام:
وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [54]
ولكن، لهذه التوبة شروطا، فقال تعالى في سورة النساء:
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [17] وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً [18]
انظر كيف تساوى الذين لم يتوبوا من المعاصي إلا عند سكرات الموت بالذين ماتوا على الكفر!! وهذا دليل على ان التوبة لن تقبل في حالة علم التائب أنه قد دخل [أو سيدخل] غيبوبة الموت. لذلك بين الله تعالى للمؤمنين، في سياق التحذير من أكل أموال الناس بالباطل، أن اجتناب الكبائر هو مفتاح تكفير السيئات وقبول التوبة في الآخرة. فقال تعالى في نفس السورة:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً [29] وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً [30] إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً [31]
والحقيقة أننا إذا أردنا استكمال بيان أن ميزان الحساب في الآخرة لا يعرف إلا ما قدمه الإنسان من عمل في الدنيا، خيرًا كان أم شرًا، لكتبنا مئات الصفحات، فيكفي هذا القدر.
إلا أنه تبقى مسألة يراها البعض إشكالية.
فعلى الرغم من بيان القرآن لطبيعة ميزان الحساب في الآخرة، وأن الجزاء على قدر العمل، إلا أن هناك بعض الآيات جاء سياقها يفيد وجود شفعاء في الآخرة يمكن بشفاعتهم أن يتغير هذا الجزاء بعد أن ظهرت نتيجته وعلمه الناس جميعا.
ولبيان وجه الحقيقة في هذه الإشكالية علينا أن نتدبر سياقات هذه الآيات للوقوف على معنى هذا الاستثناء، وهل هو استثناء حقيقي أم استنكاري، وكيف يفهم في إطار ما سبق بيانه من أن الجزاء في الآخرة على قدر العمل؟؟
إن أول هذه الآيات قول الله تعالى في سورة البقرة:
اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [255]
نعم، إنها حقيقة، فمن ذا الذي يملك شيئا في الآخرة [شفاعة أو غيرها] إلا بإذن من الله تعالى؟؟ فالقضية ليست في وجود شفاعة من عدمه، وإنما في من ذا الذي يملك هذا الإذن بالشفاعة؟؟
ونلاحظ أن معظم الآيات التي أشارت إلى هذا الإذن جاء سياقها يتحدث عن التوحيد، وفاعلية أسماء الله الحسنى، وذلك ردا على المشركين الذين يزعمون وجود مثل هذه الشفاعة.
إن الله تعالى يقول [مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ]، ولم يبين لنا هل سيأذن فعلا لأحد بهذه الشفاعة يوم القيامة أم لا.
هذا هو مفتاح القضية الذي به نفهم باقي الآيات المماثلة، كقوله تعالى في سورة يونس:
إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [3]
فقوله تعالى [مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ] هو مجرد خبر جاء في سياق بيان فاعلية أسماء الله الحسنى، وليس دليلا على أن الله تعالى سيأذن بهذه الشفاعة، فهذا يحتاج إلى نص آخر قطعي الدلالة يثبت حدوثها يوم القيامة.
إن إذن الله تعالى ليس كإذن البشر. إن إذن الله تعالى هو أمره، هو شريعته، هو كل ما سبق بيانه من قواعد وأسس وموازين تحكم وتضبط مسألة الجزاء في الآخرة. فكل الآيات التي ورد في سياقاتها مسألة الإذن هذه يجب أن تفهم في إطار الآيات المحكمات السابق بيانها. فعندما يقول الله تعالى في سورة مريم:
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً [85] وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً [86] لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً [87]
إن الاستثناء هنا [إِلاَّ مَنْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً] لا علاقة له بأحوال المتقين أو المجرمين في الآخرة، لأن الآخرة ليست محل اتخاذ عهود. إن اتخاذ العهود لا يكون إلا في الدنيا. لذلك رد القرآن على هؤلاء الذين يزعمون تغير الجزاء في الآخرة، وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة، فقال تعالى في سورة البقرة:
أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ
تدبر ورود كلمة [العهد] هنا وعلاقتها بالعهد الذي ورد في الآية [87] من سورة مريم السابقة:
لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً
إذن فمسألة الإذن أو العهد، وغيرهما من الاستثناءات التي وردت في سياق الآيات التي تحدثت عن الشفاعة، قد جاءت على سبيل الاستنكار ردا على اعتقاد المشركين الذي كان سائدا بين الناس وقت نزول القرآن بإمكانية مغفرة الذنوب والنجاة في الآخرة بشفاعة الشافعين [آلهة أو ملائكة أو أنبياء].
إن استخدام كلمة [يملكون] في هذا السياق هو استخدام محكم يدل على معنى الشفاعة الحقيقي المراد بيانه، وهو ما يملكه الإنسان في الدنيا من أعمال تشفع له في الآخرة. وهؤلاء المجرمون لا يملكون هذه الأعمال الصالحة أصلا، ولم يتخذوا عند الرحمن عهدا، بل واشتروا به ثمنا قليلا. وفي هذا السياق يقول الله تعالى في سورة الأنبياء:
وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ [26] لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [27] يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [28] وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [29]
فهل يعقل أن يكون مفهوم الاستثناء هنا [وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى] هو الإذن للملائكة [والأنبياء] بالشفاعة يوم القيامة لمن [َقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً]؟؟
ولا يصح القول بمفهوم المخالفة هنا، أي القول بأن هذا الاستثناء دليل على وجود شفاعة للملائكة [والأنبياء] يوم القيامة ولكن لمن رضي الله عنهم، لأن هذا يحتاج إلى دليل آخر قطعي الدلالة، كما يعرف ذلك أهل العلم، وذلك لشبهة أن يكون المقصود بهذا الاستثناء هو استنكار أن يحدث ذلك أصلا، فتكون الدلالة هنا ظنية. ومثل ذلك قوله تعالى في سورة سبأ:
قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [22] وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [23]
فها هو السياق القرآني ينفي أن يكون للشفعاء دور في محو ذنوب العباد وتكفير سيئاتهم يوم القيامة، ويبين معنى [الإذن الإلهي] الذي جاءت به سياقات الآيات الأخرى. ففي يوم القيامة يستولي القلق على من يؤمنون بهذه الشفاعة المزعومة التي اعتادوا عليها في الدنيا، وينتظرون من ذا الذي سيأذن الله تعالى له بها. وتستمر حالة الفزع هذه والاضطراب إلى أن تتبين الحقيقة ويسأل السائلون [مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ]؟ فتأتي الإجابة [ قَالُوا الْحَقَّ]. فما هو هذا الحق؟؟
لقد بين الله تعالى هذا الحق، النافي لاحتمال وجود هذه الشفاعة في الآخرة، فقال تعالى في سورة الزخرف:
وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [85] وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [86]
إن هذا الحق المشهود هو سنة الله في الحساب والثواب والعقاب، في الدنيا والآخرة، والتي لا يمكن أن تتبدل بأي حال من الأحوال، مجاملة لملك أو لرسول أو لأحد من الصالحين. إنه موازين الحق والعدل المطلق.
إن الله تعالى عندما ينفي الشفاعة نفيا مطلقا، ثم يثبتها بشرط الإذن والرضا، هذا لا يعني أنه سبحانه بدل قوله، حاشاه وتنزه عن ذلك، وإنما يعني أنه عز وجل يقيم الحجة يوم القيامة أمام الأشهاد بأنه إن كان هناك شفاعة فلا تنفع إلا في الدنيا، حيث العمل والتوبة والاستغفار. أي أن الشفاعة لا تنفع أحدا يوم القيامة إلا إذا جاءت من المؤمنين الأحياء في الدنيا، فوجدوها في ميزان حسناتهم في الآخرة، بعد أن يأذن الله تعالى ويرضى، فلا يخافوا ظلما ولا هضما. أما من حمل ظلما في الدنيا، وجاء يوم القيامة يحمله، فلن يجد في ميزانه ما يشفع له. وفي هذا السياق يقول الله تعالى في سورة طه:
يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِي لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتْ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً [108] يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً [109] يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [110] وَعَنَتْ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً [111] وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً [112]
تدبر قوله تعالى [إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً] في إطار قوله في سورة فاطر:
مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ [10]
وتدبر قوله تعالى [فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً] في إطار قوله تعالى في سورة الزمر:
قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [44]
إن الأعمال الصالحة هي الشافعة لأصحابها، وسيجدونها في ميزان حسناتهم يوم القيامة. كذلك دعاء المؤمنين واستغفارهم لإخوانهم. وذلك كله بعد أن يأذن الله تعالى ويرضى، فلله الشفاعة جميعا.
ولقد عبد المشركون الملائكة، واتخذوهم شفعاء عند الله، بدعوى أنهم هكذا وجودا آباءهم يفعلون، فنزلت الآيات تصحح هذه العقائد الباطلة، فقال تعالى في سورة الزخرف:
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [19] وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ [20] أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ [21] بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [22]
حتى الملائكة، الذين اعتاد المشركون اتخاذهم في الدنيا شركاء وشفعاء [حسب زعمهم] يتبرءون يوم القيامة من هذه الشفاعة ويردون الأمر كله لمشيئة الله تعالى. تدبر قوله تعالى في سورة النجم:
وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [26] إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى [27]
إن شفاعة الملائكة [المأذون لهم بها] لا مجال لها إلا في الحياة الدنيا، حيث يكون استغفارهم للذين آمنوا له فاعلية، الأمر الذي حُرم منه الكافرون والمشركون. يقول الله تعالى في سورة غافر:
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [7] رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [8] وَقِهِمْ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [9]
أليس هذا الدعاء، وهذا الاستغفار، صورة من صور الشفاعة المأذون للملائكة بها في الدنيا. ومما يؤكد ذلك قوله تعالى في سورة الشورى:
تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [5] وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [6]
كما يؤكد ذلك أيضا قوله تعالى في سورة فصلت:
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [30] نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [31] نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [32]
نخلص من ذلك إلى أن الآيات القرآنية التي تحدث سياقها عن الشفاعة هي في الأصل خطاب للكافرين والمشركين الذين يزعمون وجودها في الآخرة، وعلى هذا الأساس جاء الخطاب للمؤمنين يحذرهم من أن يحذوا حذوهم.
أما باب الشفاعة الوحيد الذي أذن الله تعالى به، هو الذي بدأنا به هذا البحث، حيث يقول الله تعالى في سورة النساء:
مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً [85]
لقد بينت الآية التي سبقت هذه الآية أنّ كل إِنسان مسئول عن عمله وعمّا هو مكلّف بأدائه، ولا يُسأل عن أعمال الآخرين، فقال تعالى:
فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً [84]
وحتى لا يفهم [لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ] على أنه دعوة للعزلة الاجتماعية، عقب بعدها بقوله [وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ] لبيان أن هذه المسئولية تفرض على الإنسان أن يكون دائما آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر، فيحرض الناس على فعل الخير، وينهاهم عن فعل الشر، فينال نصيباً من ذلك الخير أو من ذلك الشر.
إذن فالشفاعة دعوة لها فاعليتها الاجتماعية في عالمنا المعاصر.
إنها دعوة إِلى فعل الخير والتزام جانب الحق.
إنها دعوة إلى نشر مبدأ التكافؤ والتعاون الاجتماعي بين الناس ونبذ الأنانية وحب الذات وتجاهل الآخرين.
إنها دعوة لإِنقاذ العصاة قبل الوقوع في المعاصي، والأخذ بيد من وقع إلى باب التوبة حيث الأمان والثقة بالنفس.
إنها دعوة إلى القيام بأعمال الشفاعة والتوجيه وتشجيع الآخرين على فعل الخير، على أساس أِنّ المحرض على عمل الخير سيناله نصيب من نتائجه دون أن ينقص شيء من نصيب الفاعل الأصلي، وأن المحرض على عمل الشر سيناله نصيب من نتائجه، هو وكل من شاركوا فيه بأية وسيلة من وسائل التحريض المختلفة.
إنها شفاعة الدعاء والاستغفار والتوبة والعمل الصالح.
هذا الباب الذي أذن به الله تعالى فدخل منه جميع الأنبياء والرسل، وورثه عنهم الصالحون. فها هو رسول الله محمد، صلى الله عليه وسلم، يشفع لأصحابه بالاستغفار. فيقول الله تعالى في سورة النساء:
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [64]
ولذلك عندما أراد رسول الله محمد، صلى الله عليه وسلم، أن يشفع للكافرين فاستغفر لهم دون إذن من الله تعالى، نزل القرآن يصحح له ذلك، ويبين عدم قبول الله لهذا الاستغفار، حتى وإن كان المستغفر هو رسول الله شخصيا، فقال تعالى في سورة التوبة:
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [80]
وتدبر شفاعة نبي الله نوح، عليه السلام، ودعائه للمؤمنين، يقول الله تعالى في سورة نوح:
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً [28]
والمؤمنون يشفعون للمؤمنين، يقول تعالى في سورة الحشر:
وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [10]
إن الله تعالى لم يضعنا أمام نصوص غامضة مبهمة لا توصلنا إلى فهم مراده. إن هناك بابا واحدا للشفاعة يغلق بمجرد موت الإنسان وهو باب التوبة والاستغفار والعمل الصالح، وباب دعاء المؤمن لأخيه المؤمن أن يغفر الله له ذنوبه ويكفر عنه سيئاته، وباب استغفار الملائكة ونصرتهم لعباد الله الصالحين.
أما في الآخرة، فلا دليل مطلقا على أن أحدا يمكن أن يكون وسيطا بين الله تعالى ومشيئته. ولم نجد في كتاب الله الحكيم أية إشارة تبين وجود وسطاء مع الله عز وجل لتفعيل هذه المشيئة. ومع ذلك فموازين الفضل والرحمة الإلهية نافذة في الآخرة، ولكن بيد الله وحده، ونحن في الدنيا لا علم لنا بكيفيتها. فيقول الله تعالى في سورة الأعراف:
وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ [156]
نعم، إن مشيئة الله نافذة، ولا يسأل عما يفعل، ولكن هذا كله نؤمن به في حدود ما أخبرنا الله به في كتابه الحكيم. فنحن نؤمن أنه لو أراد سبحانه ألا يخلد أهل الجنة في الجنة، وألا يخلد أهل النار في النار، لفعل. تدبر قوله تعالى في سورة هود:
يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [105] فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ [106] خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [107] وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [108] فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ [109]
فمع إيماننا بهذه المشيئة الإلهية المطلقة، الذي قام على أساس علمي مصدره الله تعالى، إلا أننا لا نتصور أن قرار دخول الجنة أو النار يمكن أن يتغير يوم القيامة بـ [شفاعة] رسول، أو ملك، أو أحد من الصالحين، لأننا لا نملك الدليل العلمي القطعي الثبوت والدلالة عن الله تعالى الذي يفيد ذلك.
وخلاصة القول:
أن الشفاعة الحقيقية تكون في الدنيا والآخرة معا، فشفاعة الآخرة ثمرة شفاعة الدنيا. إنها جزاء أخروي على عمل دنيوي. فإذا مات المؤمن مذنبًا [غير مصر على ذنبه] ولم يتب، فإن أمر هذه الذنوب مفوض إلى الله تعالى يوم الحساب، وقبل الإعلان عن مصير الناس: فريق في الجنة وفريق في السعير، فقد يقبل الله شفاعة المستغفرين لهؤلاء المؤمنين المذنبين ويمحو ذنوبهم.
وأخيرا....
لقد جاءت سورة الشورى ببيان مفصل يؤكد ما توصلنا إليه في هذا البحث من نتائج، فلنتدبر هذه المجموعة من الآيات أكثر من مرة حتى نقف على ما تحمله من عطاءات:
ــ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [36]
ــ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [37]
ــ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [38]
ــ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ [39]
ــ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [40]
ــ وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [41]
ــ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [42]
ــ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [43]
ــ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ [44]
ــ وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنْ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ [45]
ــ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ [46]
ــ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنْ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ [47]
|