|
ما يواجهه العالم الإسلامي اليوم من تحديات يحتاج إلى إدارة حكيمة تعلم طبيعة هذه التحديات، وأنها لا تخص فردا أو جماعة أو مذهبا أو فرقة من الفرق الإسلامية بعينها، وإنما تخص الإسلام كدين إلهي من المفترض أن يجتمع حول نصوص شريعته كافة المسلمين، كأمة واحدة، لا يعرف علماؤها تخاصما ولا فرقة.
قبل ظهور شبكة الإنترنت والقنوات الفضائية كانت إشكاليات الفرق والمذاهب الإسلامية المختلفة المتخاصمة محبوسة في كتب تراثها الديني، وعندما أصبح العالم قرية واحدة، لم يتنبه كثير من علماء هذه الفرق، وهذه المذاهب المختلفة، إلى أن هذا العالم يراهم اليوم ويسمعهم وهم يتحدثون عن الإسلام، وأن مسئوليتهم أمام الله تعالى أصبحت أكبر وأعظم بكثير من ذي قبل، خاصة أنه لم يبق من كيان أمتهم إلا [ الكلام ] سواء كان ذلك على منابر الدعوة، أو في المؤتمرات، أو بتأليف الكتب، فإذا جاءتهم الفرصة ليثبتوا بـ [ العمل ] أنهم خير أمة أخرجت للناس، ضيعوها بل أظهروا للعالم أنهم على عكس ذلك!!
لقد سقط الكثير من المسلمين [ عبر العصور ] في الفخاخ الذي أريد لهم أن يسقطوا فيها، واليوم سقط الكثير منهم في فخ [ الرسوم المسيئة إلى الإسلام ] ومع ذلك فإن كثيرا منهم ما زال لا يرى فخاخا قائمة، وأن هذه الفخاخ تتسع يوما بعد يوم ليقع فيها المسلمون، وذلك عن طريق تخريب الممتلكات وحرقها، وقتل مئات الأبرياء وجرح الآلاف، وتحقيق المكاسب المالية والإعلامية [ لصالح أفراد وجهات معينة ] ولقد طبع على الملابس والمكتبات شعارات [ لوجو ] باسم الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتم استغلال القنوات الفضائية في هذه الحملة، حتى إن بعض وسائل الإعلام الغربية أعلنت أن المسلمين لن يهدءوا حتى يدخل الذين أساءوا للإسلام في الإسلام!! وها هم يسقطون اليوم في العراق في فخ إشعال نار الفتنة بين السنة والشيعة، هذه النار التي لا تشتعل جذور شجرتها [ الخامدة ] إلا عندما تبتلى هذه الفرق وهذه الجماعات الإسلامية بالصراع من أجل الوصول إلى الحكم. هذه الجذور الممتدة إلى عصور الفتن الكبرى.
وحديثا عندما انتصر [ المجاهدون ] على عدوهم المشترك في أفغانستان، وكانوا من طوائف مختلفة، ودخلوا [ كابول ] كان من أولويات أجندة كل منهم تصفية بعضهم بعضا، حتى لا يحكم أتباع مذهب مذهبا آخر يراه هذا كافرا، فكل منهم يعتبر مذهبه هو الفرقة الناجية التي يجب أن تتولى حكم البلاد والعباد، واستراتيجيتهم في الحياة أن البقاء للأقوى، أو لمن يجد له حليفا من القوى العظمى.
واليوم تشتعل نار الفتنة الطائفية في العراق أيضا بسبب الصراع على كرسي الحكم، بعد أن ظلت هذه النار خامدة زمنا طويلا لا تعلم الأجيال عنها شيئا إلا من خلال ما دون في أمهات الكتب وما يتلى على منابر الدعوة من خطاب ديني تخاصمي تكفيري.
وطالما أن هذه الكتب وهذه المنابر، ما زالت تحمل القنابل الموقوتة من ثقافة التخاصم المذهبي إذن فلا أمل للأجيال المسلمة أن ترى نور الإسلام من منبعه الصافي لتسير في هداه، ولا أمل في أن يغير العالم نظرته للإسلام والمسلمين مهما عقدت المؤتمرات، وخرجت المظاهرات، وأحرقت السفارات وقوطعت المنتجات، فكل هذه الآليات مسكنات لا تقتلع المرض من جذوره الفكرية المقدسة عند كل مذهب.
ويرى بعض المحللين أن الحملة ضد الإسلام، بالإضافة إلى هذه الفتن الطائفية تدار سياسيا وليس دينيا وأن الصهيونية العالمية هي التي تديرها، وأظن أنه جاء الوقت لتصحيح هذه الرؤية التي تستمد توجهها الفكري من نظرية [ المؤامرة ] وتأصيلها علميا وواقعيا، فلطالما اعتمد عليها كثير من المفكرين وعلماء المسلمين في تبرير مأساة تخلف أمتهم وتفرقها. إن المؤامرة لا تنجح ولا تؤتي ثمارها إلا إذا كان واقع المسلمين مهيأ أصلا لتفعيلها، لذلك فليس من الحكمة أن نصرخ بالمؤامرة، وواقع تراثنا [ النظري والعملي ] يشهد بتخلفنا وتخاصمنا وتكفير بعضنا بعضا. وليس من الحكمة أن نشهد على أنفسنا بأننا نعيش حالة من التنويم المغناطيسي فنقع في فخ [ المؤامرة ] ونشعل نار الفتنة بأيدينا، ثم نقول إن القوى العظمى [ ومن وراءها ] هي التي دفعتنا إلى قتل 1300 شخص بالعراق في أسبوع واحد ثمرة العنف الطائفي.
ومن العلماء الذين ناقشوا جذور أزمة التخاصم بين أتباع السنة والشيعة الأستاذ الدكتور على جمعه [ مفتي مصر ] في مقاله الأسبوعي بجريدة الأهرام الصادرة في 27/2/2006 تحت عنوان [ السنة والشيعة ] حيث قال: " إن الأزهر الشريف قد اعترف بالمذاهب الفقهية الثمانية التي يقلدها المسلمون في العالم في عصرنا الحاضر وهي الأربعة السنية [ الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة ] واثنان من الشيعة وهما [ الجعفرية والزيدية ] واثنان من خارج ذلك وهما [ الإباضية والظاهرية ] ... ثم ذكر فضيلته أن الشيخ محمود شلتوت " شيخ الأزهر الأسبق " أصدر قرارا باعتماد المذهب الجعفري واعتماد الأخذ منه عند أهل السنة ... ثم تحدث فضيلته عن الخلاف بين السنة والشيعة وذكر طرق رواية الحديث عند كل منهما فقال: وعدد الأحاديث التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق أهل السنة لا يزيد على 50 ألف حديث، رويت بنحو مليون سند، منها الصحيح ومنها الضعيف ومنها المقبول ومنها المردود. ثم تحدث فضيلته عن طرق مرويات الشيعة ثم قال: ومرويات الشيعة جمعها عالم كبير هو الإمام المجلسي في كتاب كبير ويشتمل على عشرات الآلاف من الأحاديث بعضها صحيح، ومنها المقبول ومنها المردود ثم تحدث فضيلته عن الجهود التى بذلت لرصد المساحة المشتركة من هذه المرويات لوضع قاعدة تجمع بين الفريقين ثم تساءل: إذا ففيم الخلاف؟ لأن الاختلاف في اعتماد الرواية سوف يسبب بدون شك اختلافا في الفقه، والاختلاف في الفقه بسيط لأن الفقه مبني على الظن، وما كان مبنيا على الظن فإن للاجتهاد مجالا فيه، وإن كان الأمر أمر اجتهاد فإنه يجب على كل واحد منا أن يقبل اجتهاد المجتهد الآخر.
إلى هنا لايوجد في كلام فضيلته ما يحتاج إلى مناقشة تتعلق بإدارة أزمة التخاصم والتكفير التي أشرنا إليها سابقا، خاصة أنه قال: يجب على كل واحد منا أن يقبل اجتهاد المجتهد الآخر [ وإن كنا نتحفظ أصلاً على مسألة تفرق الأمة الإسلامية إلى هذه الفرق وإلى هذه المذاهب التي أشار سيادته إليها ].
وإنما تظهر الإشكالية عندما يقول فضيلته [ بعد الكلام السابق مباشرة ] ... " فالشيعة تبيح زواج المتعة ... ويجيزون للزوج أن يتزوج فوق الأربعة ... ويجيزون أيضا الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها. وأهل السنة يحرمون زواج المتعة ويحرمون هذا الجمع ويمكن القول بأن هذا الموضوع هو أكثر المواضيع في الفقه اختلافا بين الفريقين وهو كما ترى لا يدعو إلى هذا الحزن العميق الذي في قلوب العامة من الطرفين " اهـ.
والإشكالية هنا: هل يمكن إدارة أزمة التخاصم والاختلاف الفقهي بين علماء الفرق الإسلامية بل بين علماء مذاهب الفرقة الواحدة [ والمتعلقة بمسائل الحلال والحرام ] بآليات تمنع كل فريق من إقامة أحكام التخاصم والتكفير على أساس ما يراه هو حراما ويراه غيره حلالا، خاصة إذا كان الحكم يتعلق بمسألة من أصول الإيمان [ كالإمامة مثلا ] حيث يراها الشيعة أصلاً ولا يراها أهل السنة كذلك؟!!
وإذا كان الأزهر قد اعتمد مذهبين من الشيعة هما [ الجعفرية والزيدية ] فماذا عن الشيعة الإمامية الإثنى عشرية؟!
إن إدارة الأزمات والتحديات التي يواجهها العالم الإسلامي، خاصة أزمة التكفير واستحلال الدماء بغير حق تحتاج إلى فقه معاصر يتخذ النص الإلهي المجمع على صحة نسبته إلى الله تعالى على وجه القطع واليقين قاعدة له، بالإضافة إلى ما اتفق على كيفية أدائه المسلمون كافة [ بمختلف توجهاتهم المذهبية ] مما أجمله النص القرآني من أحكام.
فهل تستطيع المؤسسات الدينية والمجامع الفقهية المختلفة واتحادات علماء المسلمين [ المحلية والعالمية ] أن تدلي بدلوها في هذا العمل الذي يعتبر الفريضة الغائبة، والفتنة العظمى التي كان يجب على علماء المسلمين أولا مواجهتها بقوة وشجاعة، وأن يضعوها في أولويات عملهم الإسلامي؟؟؟؟ حتى يلقوا الله تعالى، وقد أدوا ما أمرهم به [ كأمة واحدة ] وتأسوا بسنة رسولهم العظمى [التي حافظ عليها حتى لقى الله تعالى] وهي تفعيل قول الله تعالى في سورة الشورى:
شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ{13}
وقوله عز وجل في سورة الأنعام:
وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{153}
ثم قوله تعالى في سورة الروم مخاطبا كافة المؤمنين:
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ{31} مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ{32}
صدق الله العظيم
|