الصفحة الرئيسة |  الموسوعة |  دراسات |  مسائل فقهية |  قضية ورأى |  مقالات |  دفاعاَ عن رسول الله |  صوتيات |  المنتدى
قضية ورأى
قضية ورأى > السنة والشيعة ونظرية المؤامرة

ما يواجهه العالم الإسلامي اليوم من تحديات يحتاج إلى إدارة حكيمة تعلم طبيعة هذه ‏التحديات، وأنها لا تخص فردا أو جماعة أو مذهبا أو فرقة من الفرق الإسلامية بعينها، وإنما ‏تخص الإسلام كدين إلهي من المفترض أن يجتمع حول نصوص شريعته كافة المسلمين، كأمة ‏واحدة، لا يعرف علماؤها تخاصما ولا فرقة.‏
قبل ظهور شبكة الإنترنت والقنوات الفضائية كانت إشكاليات الفرق والمذاهب الإسلامية ‏المختلفة المتخاصمة محبوسة في كتب تراثها الديني، وعندما أصبح العالم قرية واحدة، لم يتنبه ‏كثير من علماء هذه الفرق، وهذه المذاهب المختلفة، إلى أن هذا العالم يراهم اليوم ويسمعهم وهم ‏يتحدثون عن الإسلام، وأن مسئوليتهم أمام الله تعالى أصبحت أكبر وأعظم بكثير من ذي قبل، ‏خاصة أنه لم يبق من كيان أمتهم إلا [ الكلام ] سواء كان ذلك على منابر الدعوة، أو في ‏المؤتمرات، أو بتأليف الكتب، فإذا جاءتهم الفرصة ليثبتوا بـ [ العمل ] أنهم خير أمة أخرجت ‏للناس، ضيعوها بل أظهروا للعالم أنهم على عكس ذلك!!‏
لقد سقط الكثير من المسلمين [ عبر العصور ] في الفخاخ الذي أريد لهم أن يسقطوا فيها، واليوم ‏سقط الكثير منهم في فخ [ الرسوم المسيئة إلى الإسلام ] ومع ذلك فإن كثيرا منهم ما زال لا يرى ‏فخاخا قائمة، وأن هذه الفخاخ تتسع يوما بعد يوم ليقع فيها المسلمون، وذلك عن طريق تخريب ‏الممتلكات وحرقها، وقتل مئات الأبرياء وجرح الآلاف، وتحقيق المكاسب المالية والإعلامية ‏‏[ لصالح أفراد وجهات معينة ] ولقد طبع على الملابس والمكتبات شعارات [ لوجو ] باسم الدفاع ‏عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتم استغلال القنوات الفضائية في هذه الحملة، حتى إن بعض ‏وسائل الإعلام الغربية أعلنت أن المسلمين لن يهدءوا حتى يدخل الذين أساءوا للإسلام في ‏الإسلام!! وها هم يسقطون اليوم في العراق في فخ إشعال نار الفتنة بين السنة والشيعة، هذه النار ‏التي لا تشتعل جذور شجرتها [ الخامدة ] إلا عندما تبتلى هذه الفرق وهذه الجماعات الإسلامية ‏بالصراع من أجل الوصول إلى الحكم. هذه الجذور الممتدة إلى عصور الفتن الكبرى.

وحديثا عندما انتصر [ المجاهدون ] على عدوهم المشترك في أفغانستان، وكانوا من طوائف ‏مختلفة، ودخلوا [ كابول ] كان من أولويات أجندة كل منهم تصفية بعضهم بعضا، حتى لا يحكم أتباع ‏مذهب مذهبا آخر يراه هذا كافرا، فكل منهم يعتبر مذهبه هو الفرقة الناجية التي يجب أن تتولى حكم ‏البلاد والعباد، واستراتيجيتهم في الحياة أن البقاء للأقوى، أو لمن يجد له حليفا من القوى العظمى. ‏

واليوم تشتعل نار الفتنة الطائفية في العراق أيضا بسبب الصراع على كرسي الحكم، بعد أن ‏ظلت هذه النار خامدة زمنا طويلا لا تعلم الأجيال عنها شيئا إلا من خلال ما دون في أمهات ‏الكتب وما يتلى على منابر الدعوة من خطاب ديني تخاصمي تكفيري. ‏
وطالما أن هذه الكتب وهذه المنابر، ما زالت تحمل القنابل الموقوتة من ثقافة التخاصم المذهبي إذن فلا أمل للأجيال ‏المسلمة أن ترى نور الإسلام من منبعه الصافي لتسير في هداه، ولا أمل في أن يغير ‏العالم نظرته للإسلام والمسلمين مهما عقدت المؤتمرات، وخرجت المظاهرات، وأحرقت ‏السفارات وقوطعت المنتجات، فكل هذه الآليات مسكنات لا تقتلع المرض من جذوره الفكرية ‏المقدسة عند كل مذهب.‏
ويرى بعض المحللين أن الحملة ضد الإسلام، بالإضافة إلى هذه الفتن الطائفية تدار سياسيا ‏وليس دينيا وأن الصهيونية العالمية هي التي تديرها، وأظن أنه جاء الوقت لتصحيح هذه الرؤية ‏التي تستمد توجهها الفكري من نظرية [ المؤامرة ] وتأصيلها علميا وواقعيا، فلطالما اعتمد عليها ‏كثير من المفكرين وعلماء المسلمين في تبرير مأساة تخلف أمتهم وتفرقها. إن المؤامرة لا تنجح ‏ولا تؤتي ثمارها إلا إذا كان واقع المسلمين مهيأ أصلا لتفعيلها، لذلك فليس من الحكمة أن ‏نصرخ بالمؤامرة، وواقع تراثنا [ النظري والعملي ] يشهد بتخلفنا وتخاصمنا وتكفير بعضنا ‏بعضا. وليس من الحكمة أن نشهد على أنفسنا بأننا نعيش حالة من التنويم المغناطيسي فنقع في ‏فخ [ المؤامرة ] ونشعل نار الفتنة بأيدينا، ثم نقول إن القوى العظمى [ ومن وراءها ] هي ‏التي دفعتنا إلى قتل 1300 شخص بالعراق في أسبوع واحد ثمرة العنف الطائفي. ‏ 
ومن العلماء الذين ناقشوا جذور أزمة التخاصم بين أتباع السنة والشيعة الأستاذ الدكتور ‏على جمعه [ مفتي مصر ] في مقاله الأسبوعي بجريدة الأهرام الصادرة في 27/2/2006 تحت ‏عنوان [ السنة والشيعة ] حيث قال: " إن الأزهر الشريف قد اعترف بالمذاهب الفقهية الثمانية التي ‏يقلدها المسلمون في العالم في عصرنا الحاضر وهي الأربعة السنية [ الحنفية والمالكية والشافعية ‏والحنابلة ] واثنان من الشيعة وهما [ الجعفرية والزيدية ] واثنان من خارج ذلك وهما [ الإباضية ‏والظاهرية ] ... ثم ذكر فضيلته أن الشيخ محمود شلتوت " شيخ الأزهر الأسبق " أصدر قرارا ‏باعتماد المذهب الجعفري واعتماد الأخذ منه عند أهل السنة ... ثم تحدث فضيلته عن الخلاف ‏بين السنة والشيعة وذكر طرق رواية الحديث عند كل منهما فقال: وعدد الأحاديث التي رويت ‏عن النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق أهل السنة لا يزيد على 50 ألف حديث، رويت بنحو ‏مليون سند، منها الصحيح ومنها الضعيف ومنها المقبول ومنها المردود. ثم تحدث فضيلته عن ‏طرق مرويات الشيعة ثم قال: ومرويات الشيعة جمعها عالم كبير هو الإمام المجلسي في كتاب ‏كبير ويشتمل على عشرات الآلاف من الأحاديث بعضها صحيح، ومنها المقبول ومنها المردود ثم ‏تحدث فضيلته عن الجهود التى بذلت لرصد المساحة المشتركة من هذه المرويات لوضع قاعدة ‏تجمع بين الفريقين ثم تساءل: إذا ففيم الخلاف؟ لأن الاختلاف في اعتماد الرواية سوف يسبب ‏بدون شك اختلافا في الفقه، والاختلاف في الفقه بسيط لأن الفقه مبني على الظن، وما كان مبنيا ‏على الظن فإن للاجتهاد مجالا فيه، وإن كان الأمر أمر اجتهاد فإنه يجب على كل واحد منا أن ‏يقبل اجتهاد المجتهد الآخر.‏
إلى هنا لايوجد في كلام فضيلته ما يحتاج إلى مناقشة تتعلق بإدارة أزمة التخاصم والتكفير ‏التي أشرنا إليها سابقا، خاصة أنه قال: يجب على كل واحد منا أن يقبل اجتهاد المجتهد الآخر ‏[ وإن كنا نتحفظ أصلاً على مسألة تفرق الأمة الإسلامية إلى هذه الفرق وإلى هذه المذاهب التي أشار ‏سيادته إليها ].‏
‏ وإنما تظهر الإشكالية عندما يقول فضيلته [ بعد الكلام السابق مباشرة ] ... " فالشيعة تبيح ‏زواج المتعة ... ويجيزون للزوج أن يتزوج فوق الأربعة ... ويجيزون أيضا الجمع بين المرأة ‏وعمتها وبين المرأة وخالتها. وأهل السنة يحرمون زواج المتعة ويحرمون هذا الجمع ويمكن ‏القول بأن هذا الموضوع هو أكثر المواضيع في الفقه اختلافا بين الفريقين وهو كما ترى لا ‏يدعو إلى هذا الحزن العميق الذي في قلوب العامة من الطرفين " اهـ.‏
والإشكالية هنا: هل يمكن إدارة أزمة التخاصم والاختلاف الفقهي بين علماء الفرق الإسلامية ‏بل بين علماء مذاهب الفرقة الواحدة [ والمتعلقة بمسائل الحلال والحرام ] بآليات تمنع كل فريق ‏من إقامة أحكام التخاصم والتكفير على أساس ما يراه هو حراما ويراه غيره حلالا، خاصة إذا ‏كان الحكم يتعلق بمسألة من أصول الإيمان [ كالإمامة مثلا ] حيث يراها الشيعة أصلاً ولا يراها ‏أهل السنة كذلك؟!!‏

وإذا كان الأزهر قد اعتمد مذهبين من الشيعة هما [ الجعفرية والزيدية ] فماذا عن الشيعة الإمامية الإثنى عشرية؟!

إن إدارة الأزمات والتحديات التي يواجهها العالم الإسلامي، خاصة أزمة التكفير واستحلال ‏الدماء بغير حق تحتاج إلى فقه معاصر يتخذ النص الإلهي المجمع على صحة نسبته إلى الله ‏تعالى على وجه القطع واليقين قاعدة له، بالإضافة إلى ما اتفق على كيفية أدائه المسلمون كافة [ بمختلف توجهاتهم المذهبية ] مما أجمله النص القرآني من أحكام.

فهل تستطيع ‏المؤسسات الدينية والمجامع الفقهية المختلفة واتحادات علماء المسلمين [ المحلية والعالمية ] أن ‏تدلي بدلوها في هذا العمل الذي يعتبر الفريضة الغائبة، والفتنة العظمى التي كان يجب على ‏علماء المسلمين أولا مواجهتها بقوة وشجاعة، وأن يضعوها في أولويات عملهم الإسلامي؟؟؟؟ حتى ‏يلقوا الله تعالى، وقد أدوا ما أمرهم به [ كأمة واحدة ] وتأسوا بسنة رسولهم العظمى [التي حافظ ‏عليها حتى لقى الله تعالى] وهي تفعيل قول الله تعالى في سورة الشورى:‏
شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ‏وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ ‏مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ{13}‏
وقوله عز وجل في سورة الأنعام: ‏
وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ ‏لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{153}‏
ثم قوله تعالى في سورة الروم مخاطبا كافة المؤمنين:‏
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ{31} مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ‏وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ{32}‏

 

صدق الله العظيم




قضية ورأى
السنة والشيعة ونظرية المؤامرة
 


Contact@feqhelquran.com