|
يواجه المسلمون تحديات مصيرية تهدف إلى اكتساح هويتهم من كافة الجوانب. ومما يساعد على تحقيق ذلك: تفرقهم المذهبي وتخليهم عن مكانتهم الحضارية بين الأمم. ولا يظن البعض أن مجرد حمل تصور ما للفكر الإسلامي والدعوة إليه عبر منابر الدعوة ومختلف أجهزة الإعلام وخاصة الفضائيات والإنترنت سيقف عقبة أمام خطر هذه التحديات، فالمواجهة لابد أن تكون متكافئة وإذا كان الفكر لا يواجه إلا بالفكر فكذلك العمل لا يواجه إلا بالعمل.
إنها سنة الله في تقدم الحضارات وتطورها.
إن الفجوة بين العالم الإسلامي وبين العالم الغربي كبيرة يصعب سدها إلا بقوة خارقة أرى أنها قوة إرادة التغيير، تغيير ما بالنفس إلى الأصلح، كي يغير الله من حالنا بتأييده ونصره.
إن دعوة الشباب إلى صنع مستقبلهم بعيدا عن الفهم الواعي لهذا القانون الإلهي [ حتى يغيروا ما بأنفسهم ] سيزيد الحواجز بيننا وبين تأييد الله تعالى ونصره، والذي نحن في أشد الحاجة إليه.
فما فائدة أن يحصل شبابنا على أعلى الدرجات العلمية، ويستخدموا أحدث التقنيات في كافة مجالات العمل، ثم إذا بهم يحملون في نفس الوقت ثقافة دينية مغلوطة، وفتاوى التخاصم والتكفير التي تزيد الفرقة والصراع بينهم؟!
ما قيمة هذا العالم المتخصص في علوم الكمبيوتر والإنترنت عند الله تعالى الذي يقوم بتزويد الناس بثقافة دينية مذهبية مغلوطة تدعم الفرقة والتخاصم بين المسلمين؟! ماذا سيجني المسلمون من وراء استخدام هذه التقنيات المتطورة ومعظم المواقع الإسلامية يعمل على تشويه صورة الإسلام ببث فتاوى العنف والتكفير والفهم الغير صحيح لجوهر الإسلام ومقاصده العليا؟!
والسؤال: لماذا لم يـُغير شبابنا المسلم من واقعهم ليحتلوا مكانتهم اللائقة بهم وهم يحملون شريعة إلهية تعدهم بهذه المكانة الرفيعة؟!
والجواب: لأنهم لم يغيروا حقيقة ما بأنفسهم.
إن إشكالية شبابنا تتحدث عن نفسها، والبكاء على المريض لن يشفيه، لذلك علينا أن نبدأ التحرك من أول الطريق: طريق تغيير ما بأنفسنا إلى ما هو أصلح. علينا أن نواجه مشكلاتنا بفهم واع وإدراك لأسبابها.
إننا بدون تأييد الله ونصره لن ننجح في تحقيق أهدافنا، وإن نجحنا في بعضها فإن ذلك ربما يكون من باب الفتنة والابتلاء. إن تأييد الله تعالى ونصره ينطلق من قاعدة العبودية الخالصة لله تعـالى. لذلك كان علينا أن ننطلق أولا مـن هـذه القاعدة [ كلٌ في موقعه وتخصصه ] كنقطة انطلاق نحو الخيرية التي وعدنا الله تعالى بها.
وحين نتحدث عن الانطلاق نحو الخيرية فنحن نتحدث عن الانطلاق نحـو عصر الأمة الواحدة التي تحمـل كتابا تشريعيا واحدا، وتتبع رسولا واحدا، وتتوجه في صلاتها إلى قبلة واحدة، أمة لا تعرف الفرقة ولا التخاصم ولا التكفير بين أفرادها.
إننا إذا أردنا أن ننطلق إلى صنع مستقبل أفضل علينا أن نتخلق بأخلاق القرآن [ قاعدة العبودية الخالصة لله تعالى ] وأن نتبع منهجه في التغيير. إن منهج القرآن في التغيير يدعونا إلى تغيير ما بأنفسنا أولا، وإن تغيير ما بالنفس مرتبط بتعرف الإنسان على ما في أعماق نفسه من سلبيات واجب تغييرها، وإن سرعة تغيير واقعنا الخارجي مرتبط بمدى قوة إرادة تغيير ما بداخل أنفسنا. إن حقيقة التحديات التي يجب أن نواجهها أولا هي تلك التي في داخل أنفسنا فإذا تغلبنا على تحدياتنا الداخلية استطعنا أن نتغلب على تحدياتنا الخارجية.
إن منهج القرآن في تغيير ما بأنفسنا يضع القواعد ويترك التفاصيل لأحوال البشر وظروفهم الاجتماعية. وأول هذه القواعد الإيمان بقوانين التغيير. فهناك قوانين تحكم موازين القوى في العالم الآن، وهناك قوانين تحكم الجاذبية الأرضية، وهناك قوانين تحكم الخير والشر ... الخ، ومعرفة الإنسان لهذه القوانين وطبيعة عملها يساعده على السير نحو التغيير وهو على علم بأدواته.
لقد فـُتن كثير من المسلمين عندما دخلت قوات التحالف بغداد واحتلت العراق، في الوقت الذي كان كل مسلم فيه يدعو الله تعالى أن ينصر أهل العراق على أعدائهم. لقد غاب عن الكثير أننا أمام قوانين إلهية تعمل وفق مقتضياتها.
إن من رحمة الله بالناس أن جعل أدوات تغيير ما بأنفسهم [ إلى الأفضل، أو إلى الأسوأ ] بأيديهم [ لا بيد غيرهم ] وصولا إلى التغيير الاجتماعي المنشود. وعلى قدر قناعة الإنسان الذاتية بهدفه يكون نجاحه في تحقيقه، فالمسألة أولا وأخيرا مسألة اختيار قائم على قناعة ذاتية.
فهل يمكن أن يتقبل الله تعالى أعمالنا الصالحة دون أن تقوم على ملة صحيحة وفهم واع لشريعته التي ارتضاها للناس لا التي ارتضوها هم لأنفسهم؟! هل عرف عصر الرسالة منابر دعوة تتنافس على النجومية، وعلى نسبة مبيعات أشرطة الكاسيت؟! ثم إذا نظرنا إلى ما تحمله معظم هذه الأشرطة لم نجد شيئا من فقه الواقع، وإنما وجدنا نقلا لتراث الفرق والمذاهب المختلفة يأخذ بأيدي الشباب الحيارى إلى دائرة تعطيل آليات عمل قلوبهم [ من تفكر وتعقل وتأمل ونظر ... ] بدل أن ينتشلهم من وسط هذه الأمواج الخلافية المذهبية التي أصبحت هي السمة المميزة للبرامج الدينية على القنوات الفضائية والإنترنت!!
وعلى الجانب الآخر نجد أن معظم مستمعي هذه الأشرطة، ومشجعي هؤلاء الدعاة لا يحملون علما يستطيعون به التمييز بين ما يلقى على مسامعهم من حق أو من باطل!! فإذا ذهبنا إلى تقييم عوام الناس لهذه الظاهرة وجدنا مؤشرات النجاح عندهم تقوم على ظاهرة الالتزام الشكلي عند هؤلاء الشباب والتي تعودنا أن نراها كلما ظهر أسلوب جديد للدعوة ينجذب إليه شبابنا!!
وفي خضم هذه الأمواج التي يسبح فيها شبابنا تظهر دورات تدريبية تدعو شبابنا إلى تغيير ما بأنفسهم عن طريق تعلم برامج مستوردة تعمل بطريقة لا يملك الإنسان العادي أمامها إلا تسليم جهازه النفسي والعصبي لها دون فهم لاثارها الجانبية المدمرة.
إن للقرآن طريقة في التغيير تقوم على معرفة شاملة بطبيعة النفس الإنسانية، " ألا يعلم من خلق، وهو اللطيف الخبير ".
إن للقرآن طريقة في التغيير تقوم على إخلاص العبودية لله تعالى والوقوف على فاعلية أسمائه الحسنى في هذا الوجود.
إن للقرآن طريقة في التغيير تقوم على إحساس المرء بمعية الله تعالى وهو يتلو آياته.
إن للقرآن طريقة في التغيير تقوم على الفهم الواعي لقول الله تعالى:
إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم
|