|
نشأت في بيئة علمية وسط آلاف الكتب الدينية وعشرات العلماء. وعملت في مجال الدعوة الإسلامية بين طلاب الكليات المختلفة. وكان لي درس كل يوم جمعة بقلب العاصمة في أحد المساجد الكبرى يحضره نخبة من طلاب الكليات وغيرهم. كنت وقتها داعية شاباً أحمل الثقافة الإسلامية المذهبية المنتشرة بين المسلمين، ولقد كان هذا الدرس [ الذي تسبقه حلقات لتعليم تلاوة القرآن الكريم ] يتضمن منهجا للتربية بالقرآن ومنهجا للتربية بالسنة، ومنهجا لمحاسبة النفس، وكان ذلك منذ ربع قرن تقريبا.
وفي أوائل الثمانينيات [ من القرن العشرين الميلادي ] طلب مني أحد أصحاب شركات توظيف الأموال القيام بإعداد موسوعة في المعاملات الإسلامية، فقبلت بل وسعدت بهذا العمل، إذ الاقتصاد هو القاعدة التي تقوم عليها أية حضارة. وبعد مشورة لاختيار العلماء الذين ستطرح عليهم فكرة هذه الموسوعة للمشاركة فيها، قمت بجمع المادة العلمية لفصل من فصولها وهو " باب البيوع "، كعينة تبين المنهج العلمي الذي سأتبعه في معالجة أبوابها. وكانت مراجعي هي أمهات كتب أهل السنة.
ودون دخول في تفاصيل هذه الدراسة وما حدث خلالها من لقاءات ومحاورات مع بعض كبار علماء الأزهر، ومن قراءات في أمهات كتب التفسير والحديث والفقه، ومن جهد للكشف عن مرادفات بعض المصطلحات التجارية الفنية المعاصرة، ومدى تفاعلها مع لغة ومصطلحات علماء السلف، وجدت نفسي أمام إشكاليات تتلخص فيما يلي:
أولاً: أن أمهات الكتب الدينية التي لدينا في المكتبة الإسلامية قد عالجت معظم المسائل الفقهية برؤى مذهبية، وأن ترجيح مذهب على آخر قد يلبي طموح أتباع المذهب ولكنه غير ملزم لأتباع المذاهب الأخرى. لقد وجدت أن مئات الصفحات، بل والمجلدات، قد ملئت بإشكاليات ومناظرات للرد على المخالفين للمذهب، وأن معظم هذه المعالجات الفقهية، خاصة ما يتعلق منها بأحكام المعاملات المالية والتجارية ليس لها تفاعل يذكر مع واقعنا المعاصر.
ثانياً: نظرت في كتاب الله تعالى فوجدت أن الآيات التي تعالج مسائل المعاملات المالية والتجارية لا تتعدى بضع آيات، تبين الدستور العام للأخلاق المنظمة لهذه المعاملات بشكل يتفاعل مع متطلبات كل عصر.
ثم نظرت في أمهات الكتب فرأيت معظم أبوابها قد ملئت بفروع وتفصيلات تعكس طبيعة المعاملات التي ارتبطت ارتباطا كبيرا بالظروف البيئية التي كانت سائدة وقت تدوينها. وقد تطورت المعاملات التجارية وتعقدت أشكالها وأساليبها بشكل يجعل قبول اجتهادات السابقين لا فاعلية له، خاصة وأن من حاول قبولها من المتأخرين جاء بتأويلات متعسفة بعيدة عن واقعه، بل وفرغت النصوص من مضمونها.
ثالثاً: وجدت أن الثقافة الدينية لمعظم علماء المسلمين ثقافة مذهبية ... فلا أجد مفتياً يفتي في مسألة إلا وقد خرجت فتواه وفق مذهبه الفقهي الذي تخصص فيه وألزم نفسه وأتباعه العمل به. وإن كان من أهل التخصص في الفقه المقارن فإن اجتهاده يظل مقيداً باجتهاد أئمة الفقه السابقين لا يحل له الخروج عن حدوده، فأمامه سلاح مصوب نحو قلبه يسأله: مَنْ سبقك من علماء الأمة في هذا الرأي؟!
وجدت أن مسألة الحرام والحلال، عند فقهاء الفرق والمذاهب الإسلامية تحتاج إلى إعادة نظر، فالحرام عند مذهب حلال عند آخر.
فقلت في نفسي: ما دام فقهاء المذاهب منقسمين في المسألة الواحدة إلى فريقين: فريق يعتقد بحلها فيفعلها، وآخر يعتقد بحرمتها فلا يفعلها، فلماذا نشغل المسلمين باجتهادات في مسائل دونت فيها آلاف الصفحات لنصل في النهاية إلى أن الحكم بفعلها أو عدم فعلها على حد سواء؟! والغريب أنك إذا وجدت فقيها يرجح رأياً على آخر بأدلته، رأيت الآخرين يقولون لك: هذا رأيه هو حر!!
لقد أثارت هذه الفوضى الفقهية في نفسي عدة أسئلة:
1ـ لماذا لم يقتصر فقه الأمة الإسلامية على كتابٍ واحدٍ يحوي ما اتفق كافة علماء السلف على تحريمه، ثم يفتح باب الاجتهاد على مصراعيه [ في مختلف التخصصات العلمية ] ليواجه التحديات العالمية بأدوات وإمكانيات كل عصر؟
2ـ لماذا يصر فقهاء اليوم على الرجوع إلى اجتهادات السلف في مسائل حياتية اختلفت طبيعتها، ووسائلها، وأصولها، وقواعدها، اليوم عما كان عليه السلف. إن المسلم الذي يريد أن يعلم حدود وطبيعة الغش التجاري، ومشروعية الاحتكار في عصر القرية الواحدة وشبكة الاتصالات العالمية، هل يمكن أن نقول له عليك باجتهادات فقهاء السلف فستجد عندهم حاجتك؟!
لقد أصبح الواقع التجاري في العالم الإسلامي يخضع لأساليب التجارة العالمية وآلياتها وتحدياتها، إنه أمر مفروض لا مفر من قبوله للحاق بركب الحضارة، فلماذا لا يضع فقهاء المسلمين اليوم نصب أعينهم قضية تبعيتهم لهذا النظام العالمي الحاكم لاقتصاديات الأمم ومقدراتها، فيقيمون فتواهم على الأصول والقواعد التي جاءت بها الآية القرآنية الصالحة لكل زمان ومكان؟!
رابعاً :لم أجد للأحاديث المنسوبة إلى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، فاعلية بذاتها، فهي تستمد فاعليتها من فهم علماء السلف، كلٌ حسب مدرسته في الجرح والتعديل، فسألت نفسي: أليست هذه الأحاديث في ذاتها هي السنة المبينة للقرآن؟! إذن فلماذا لم يكتف علماء السلف بمتونها فقط لفهم القرآن؟! لماذا كل هذه الكتب المتخصصة في شرح الحديث النبوي؟! أليس من المفترض ألاّ يحتاج البيان النبوي إلى من يبينه؟! أليست أقوال الرسول وأفعاله وتقريراته كافية وحدها لبيان القرآن وأحكامه؟! إذن هل مصطلح " السنة المبينة والمكملة لأحكام القرآن " لا يعني في حقيقته الأحاديث بعينها وإنما يعني شروح أئمة الفرق والمذاهب المختلفة لها؟!
وإذا كانت هذه الشروح قد زادت مع بداية عصر التدوين، ثم زادت الحواشي على الشروح، ثم زادت الهوامش على الحواشي، إلى أن أغلق باب الاجتهاد منذ ألف عام تقريبا. فأين إذن نجد " السنة الصافية " وسط هذا الكم الهائل من شروح فقهاء الفرق والمذاهب الإسلامية؟! وعلى أي أساس أطلقت كل فرقة على كتب مروياتها [ التي صحت عندها ولم تصح عند غيرها ] اسم سنة الرسول؟! ولماذا لم تسم هذه الكتب باسم الرسول، صلى الله عليه وسلم، إذا كانت حقا تحمل تشريعاً واجب الاتباع؟! وهل علماء السلف أولى من رسول الله لتكون لهم مؤلفاتهم في بيان سنته، ورسول الله وهو صاحب السنة ليس له مؤلف باسمه محفوظ بحفظ الله أرجع إليه اليوم لأتعرف على صحيح سنته ككتاب ثبتت صحة نسبته إليه ثبوتا قطعيا بعيدا عن مدارس الجرح والتعديل المذهبية؟!
خامسا: من المعلوم عند أهل الحديث أن مصطلح: " قال الرسول " لا يجد فاعليته بذاته [ بعد وفاة رسول الله ] إلا إذا سبقه سلسلة من الرواة يتوقف صحتها أو ضعفها علي مدى ضبطهم وعدالتهم، وفق شروط علماء الجرح والتعديل المختلفة.
فسألت نفسي: إذا كان قولنا: " قال الرسول " لا يمكن أن نصل إليه إلا من خلال هذا العلم المذهبي " علم الجرح والتعديل " فكيف يمكن الاطمئنان إلى أن ما أجازه هؤلاء العلماء من أحاديث هي أقوال الرسول حقا؟ وهل يمكن اعتبار أن إنكار اجتهادات علماء الجرح والتعديل وشروح أئمة الفرق والمذاهب المختلفة هو إنكارٌ للسنة النبوية؟!!
أي هل مصطلح " إنكار السنة " مصطلح مذهبي يخضع لوجهات النظر الشخصية ولذلك فهو سلاح يحمله علماء كل فرقة في وجه كل من تسول له نفسه ترك أو مخالفة مذهبها الذي تربى عليه، ولم يكن له وقت ولادته حرية اختياره؟!!
سادساً: وجدت ـ وبعد سنوات من الدراسة والبحث ـ أن أمر المعاملات الإسلامية أبسط بكثير من ذلك. فالقواعد العامة للمعاملات في الشريعة الإسلامية في حقيقتها قواعد أخلاقية لا تقوم على مرجعية فقه السلف وإنما على الآية القرآنية المنظمة لحياة البشر إلى يوم الدين. هذه الآية التي تغرس في القلوب ملة التوحيد ودستور الأخلاق الذي يضمن السلامة والنجاح والرقي والتقدم لأي نظام يقوم عليه في أي عصر. إن التقوى، والخشية، والعمل الصالح، والصبر والحكمة والإيثار، والكرم، ورفع الضرر وغيرها من القيم والأخلاق والمقاصد القرآنية، كلها جاءت لتحكم تصرفات وتعاملات الناس في كافة مناحي الحياة على مر العصور.
سابعا: وجدت أن تاريخ الأمة الإسلامية [ الذي قرأته بعناية بعد ظهور هذه الإشكاليات ] قد دُوّن برؤى مذهبية ظهر فيها بوضوح تحيز كل فرقة لأصول ملتها باعتبارها الفرقة الناجية المتبعة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد كانت قنوات الاتصال ونقل المعلومات ورواية الحديث معظمها قنوات شفهية، ظهر تعصبها المذهبي بوضوح عند تدوينها، بعد أن مزقت الفتن الكبرى الأمة، فدونت كل فرقة أمهات كتب تراثها الديني من منطلق مذهبها العقائدي والفقهي الذي ورثته.
فسألت نفسي: لقد نقل المؤرخون الأول مروياتهم عن إخباريين لم يعاصروا مسرح الأحداث، وأخذوا مروياتهم [ كما ادعوا ] من مدونات هؤلاء الإخباريين. فإذا أراد الباحث اليوم أن يتحقق من صحة وأمانة نقل المؤرخين الأوائل عن هؤلاء الإخباريين [ الرواة ] فماذا يفعل؟!! كيف يتسنى له ذلك وهؤلاء أصحاب عقائد ومذاهب مختلفة، ولا وجود لمدوناتهم أصلا، وإن وجدت بعض المخطوطات فلا يُعلم عمن دُونت على وجه الحقيقة.
فهل على المُحقق أن يقيم تحقيقه العلمي على إحسان الظن بهؤلاء ويقبل هذه المخطوطات على أنها حقائق تاريخية بمعزل عن أصول التحقيق العلمي؟!! إننا إن قبلنا ذلك على أساس " غلبة الظن " بالنسبة للوقائع التاريخية، فلا يمكن أن نقبله فيما يتعلق بحجية ثبوت نصوص الشريعة الإلهية الواجبة الاتباع، والتي لا تقوم على " غلبة الظن " وإنما على البراهين القطعية الثبوت عن الله عز وجل.
ثامناً: إن الذين فرقوا بين المؤرخين والمحدثين: فقبلوا مرويات المؤرخين التاريخية ولم يقبلوا أحاديثهم المنسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعلوني أسأل: على أي أساس أقاموا هذه التفرقة؟! هل على أساس أن المحدثين كان لديهم من الكشف الإلهي ما استطاعوا به أن يميزوا بين مئات الآلاف من المرويات والفتاوى والأحكام فتمكنوا من فصل ما هو وحي إلهي عن غيره، الأمر الذي لم يتوفر للمؤرخين؟!!
إن الذين ذهبوا إلى أن هذه الأحاديث كانت مكتوبة في عصر الرسالة وظلت مكتوبة حتى عصر التدوين، أي بعد قرن ونصف على أقل تقدير، ولكنها كانت جهودا فردية لم تظهر إلى النور إلا عندما سمحت لها السلطة الحاكمة أن تظهر، هؤلاء جعلوني أسأل:
إذن: فلماذا لم تُنسب هذه المدونات إلى صحابة رسول الله الكرام الذين لا شك أنهم دونوها تحت إشرافه، وبذلك ما كان لعلم الجرح والتعديل أن يوجد، بل وكافة علوم الحديث المذهبية؟!! لماذا نُسبت إلى من جاءوا بعدهم بقرن ونصف من الزمان؟!! هذا إذا كان حقا أن ما حملته هذه الدفاتر من أحاديث يمثل بيان الرسول الواجب الاتباع؟! أليس من بديهيات المنطق أن الحديث لو جُمع ودُوّن في حياة رسول الله وفي وجود جل الصحابة لتوفرت شروط فرزه وتصحيحه تلقائيا [ دون حاجة إلى علم مذهبي يبحث في صحيح الحديث وضعيفه ] ولأزيلت كل هذه الاختلافات، والصراعات التخاصمية التي مزقت وحدة الأمة، والتي ما زلنا نجني ثمارها المُرة إلى يومنا هذا؟!
هل كان هذا هو الأفضل، أم أن يكل أمر هذه الأحاديث [ بعد وفاة رسول الله ] إلى ذاكرة الرواة ومذاهب علماء الجرح والتعديل، الذين هم أنفسهم في حاجة إلى من يجرحهم أو يعدلهم؟!!
وإذا كان السبب في عدم جمع وتدوين الحديث في حياة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هو الخوف من اختلاطه بالقرآن [ كما يدَّعي أنصار المذهبية ] فلماذا إذن لم يدون في عصر الخلفاء الراشدين الأربعة، وقد تم الفراغ من جمع القرآن وتدوينه؟!! هل يمكن أن تقوم ملة يكفر منكرها على نصوص كتب دونت بعيدا عن عصر الرسالة، وبعيدا عن إشراف رسول الله، وعن شهود العيان الذين عاصروا وشاهدوا أحداثها؟!! إن قول الراوي يحتمل الصدق والكذب، وميزان ذلك هو مطابقة القول بواقعه. والواقع الذي يشهد بصدق الراوي هو معاصرته للأحداث وتدوينها وقت حدوثها، فهل دونت أحاديث رسول الله في حياته [ ولا أقول كُتب بعضها ]، ثم نقلها الرواة بعد ذلك معتمدين على هذه المرجعية المدونة التي شهد الرسول بصحتها؟!
وبعد رحلة علمية طويلة لدراسة أصول فقه الفرق والمذاهب المختلفة [ وعلى رأسها السنة والشيعة ] عدت إلى صديقي اعتذر له عن مهمة الإشراف على هذه الموسوعة ونقلت له خلاصة هذه الإشكاليات التي ظهرت لي، ليس فقط في باب المعاملات ولكن في جميع أبواب الفقه، وليس فقط عند فرقة أهل السنة ولكن عند جميع الفرق الأخرى!!
قلت لصديقي: إنني في أشد الحاجة إلى مراجعة ما ورثته من تدين مذهبي وذلك للوقوف على خصائص المصدر التشريعي الإلهي الواجب الاتباع كقاعدة أنطلق منها نحو الإيمان العلمي الذي يجب أن يأخذ مكانه في قلبي.
لقد تفرغت أربع سنوات تفرغا كاملا للدراسة والبحث ولقاء العلماء والتحاور معهم، فلم أكن لأدرس بمعزل عن العلماء، وكان على رأسهم: فضيلة الشيخ محمد الغزالي، وفضيلة الشيخ عبد اللطيف مشتهري، وفضيلة الدكتور عبد الله المشد [ رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر ] وغيرهم. كنت أعرض عليهم ما أتوصل إليه من نتائج هذه الدراسة الموسوعية التي قمت بها من منطلق أن الإسلام دين كافة المسلمين، وليس دين فرقة أو مذهب من مذاهبهم.
لقد تبادلت البحوث، مع هذه المجموعة الاستشارية التي أشرفت على رحلتي العلمية، وأقمنا الحوارات، واختلفنا في بداية الأمر، وكنت أصحح مساري بفضل توجيهاتهم. ومما أسعدني وأوجد التفاؤل في قلبي أن عايشت بنفسي ورأيت كيف يرجع العالم عن اعتقاده الوراثي عندما يجد أمامه علماً وبرهاناً يفرض عليه ذلك وهذا ما لمسته في هؤلاء العلماء. في الوقت الذي أصر فيه بعض العلماء والدعاة على نصرتهم للفرقة والمذهبية، واتهامي بما أنا برئ منه.
|