|
لقد شاءت إرادة الله أن يخلق هذا الوجود ليعبده ويسجد له، وأعطى لكل ذرة من ذراته الأمر بذلك. وشاءت حكمة الله أن يكون من بين هذه الموجودات من يعبد الله ويسجد له بإرادته واختياره، فجاء الإنسان الذي ميزه الله عن سائر مخلوقاته بآليات التفكر والتعقل والتدبر ... ليقوم بهذه المهمة.
ولم تكن الغاية من خلق الإنسان، ولا من خلق هذا الوجود كله، إضافة منفعة إلى الله تعالى، فالله هو الغني، له الأسماء الحسنى والصفات العليا، وكل المخلوقات فقيرة إليه. لذلك كانت حياة الإنسان على هذه الأرض حياة ابتلاء واختبار، فإما شاكرا وإما كفورا. والشاكرون هم الذين أعملوا آليات عمل قلوبهم، فنظروا وتدبروا ما حولهم من دلائل الوحدانية، فسجدوا لله شكراً على نعمة الإيمان.
إن الإيمان عندما يملأ القلب يغرس فيه أخلاقاً كريمة تساعده على تحقيق غاية وجوده في هذه الدنيا. وعندما يملأ الإيمان قلب الزوجين يرى كل منهما أن أداء حقوق الآخر باب من أبواب الطاعة والتقرب إلى الله تعالى. وعندما يتشرب قلب الزوجين أن هناك وراء هذه الدنيا حياة الآخرة، حيث فيها يسعد المرء أو يشقى، فسيسعى كل منهما إلى الآخرة سعيها. وفي ظل هذه القيم وهذه المفاهيم تتوازن الحقوق والواجبات، ويُعرف الخطأ من الصواب، ويُميّز الحق من الباطل.
وإذا كانت غاية خلق الإنسان هي عبادة الله تعالى وحده لا شريك له فعليه أن يسعى إلى معرفة شريعته التي أمره أن يلتزم بها في حياته. ولقد كانت أول شريعة أمر الله أن يلتزم بها أول سكن زوجي في هذا الوجود البشري هي قول الله تعالى في سورة البقرة:
وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ [35]
فلما أزلهما الشيطان ثم تابا وأنابا إلى الله، وقبل الله توبتهما، أمرهما الله وذريتهما باتباع شريعته إن هم أرادوا العودة إلى الجنة مرة أخرى. فقال تعالى في سورة طه:
قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [123] وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [124] قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً [125] قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى [126]
تدبر قوله تعالى: " فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى " ثم بيان مصدر هذا الهدى ومرجعيته في قوله تعالى بعدها: " كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا " لتقف على طبيعة نصوص الشريعة الإلهية الواجبة الإتباع إلى يوم الدين. إنها آيات الله المتلوة وتفاعلها مع آياته الكونية المشاهدة والدالة على صدق الرسل.
ولقد جاءت رسالة الله الخاتمة تحمل في ذاتها الآيات المتلوة والدالة في نفس الوقت على صدق رسول الله محمد، فيستطيع أي مسلم أن يشير إلى هذا القرآن في أي وقت ويقول: محمد رسول الله وهذه هي آيته الدالة على صدق بلاغه عن الله تعالى.
إذن فأول الطريق الذي يجب أن يسلكه المرء لمعرفة شريعة ربه أن يعلم مصدر هذه الشريعة ومرجعيتها.
إن الدارس المتدبر لكتاب الله يصل إلى قناعة ذاتية بأن نصوص هذه الشريعة التي ارتضاها الله تعالى للعالمين هي آيات هذا الكتاب الحكيم، وتفاعلها مع منظومة الأداء العملي لما أجملته هذه النصوص من أحكام.
وهنا نستطيع القول: إن القلب الذي تشرب منهج الله من مصدره الرباني، وتفاعل مع آيات الله الكونية، قلب عرف سنن التسخير التي يقيم عليها تقدمه العلمي، وتطوره الحضاري، وثباته أمام تحديات العصر. قلب تأهل لمهمة الشهادة على الناس [ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ] في أرقى صورها الحضارية. قلب قادر على تفعيل آية الزواج على الوجه الذي يُرضى الله تعالى لإقامة مجتمع مسلم ينشر السلام ويقيم الحق والعدل بين الناس. قلب يتقي الله عز وجل.
فماذا عن تقوى الله تعالى؟
|