|
إن قرار الطلاق ليس قرارا فرديا يتخذه الزوجان، أو أحدهما، وإنما هو قرار يقوم على دراسة علمية تقوم بها مؤسسات متخصصة في الخلافات الزوجية [وليست قضائية فقط] وذلك بعد استنفاذ كافة أساليب العلاج الممكنة. وهناك شروط لوقوع هذا الطلاق لا يُعمل بها [للأسف الشديد] بين الأزواج، مما أدى إلى هدم بيوت ما كان لها أصلا أن تهدم.
ففي إطار ما قد يعتري العلاقة الزوجية من تعكير صفو إلى درجة يتعذر على الشريكين الحياة معا فيلجآن إلى الطلاق، يبين الله تعالى في سورة الطلاق بعض أحكام الطلاق [استكمالا لأحكام سورة البقرة] ويوجه الخطاب إلى النبي بشخصه، زيادة في الاهتمام بهذا الأمر، ولبيان أن قرار الطلاق لابد وأن يمر بمراحل ثلاث كلها تخضع لرقابة ومتابعة المؤسسات العلمية المتخصصة التابعة للدولة مباشرة. فيقول تعالى:
"يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ...." [الآية 1]
فماذا يعني توجيه الخطاب إلى النبي في هذا الحكم الشرعي: "يا أيها النَّبِيُّ"؟ ثم تعميم الخطاب ببلاغة فائقة ليشمل عامة المسلمين بقوله تعالى: "إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ"؟؟
هذا يعني أن الطلاق قضية اجتماعية تمس كيان الأسرة بصورة خاصة، والمجتمع بصورة عامة، وأن تنفيذ قرار الطلاق لا يكون لمجرد إرادة الزوجين أو أحدهما، ولكن يجب أن تشارك في اتخاذه مؤسسات الدولة المتخصصة والمعنية بهذه القضية.
ويمر الطلاق من بدايته وحتى وقوعه وانفصال الزوجين بمراحل ثلاث:
الأولى: نية وإرادة الطلاق: لقوله تعالى: "إِذَا طَلَّقْتُمْ" بصيغة الماضي.
الثانية: العزم والسير في إجراءات الطلاق: لقوله تعالى: "فَطَلِّقُوهُنَّ" بصيغة الحاضر، وقوله تعالى في سورة البقرة [227]: "وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ".
الثالثة: وقوع الطلاق وانفصام عرى الزوجية: لقوله تعالى في سورة الطلاق [2]:
"فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ".
إذن فهناك مرحلتان تسبقان مرحلة وقوع الطلاق:
المرحلة الأولى: مرحلة [الإرادة الداخلية] التي يعيشها الزوجان أو أحدهما: وهي نية وإرادة الطلاق، وهي المتعلقة بقوله تعالى "إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ"، كقوله تعالى: "إذا قمتم إلى الصلاة"، أي إذا أردتم الصلاة. وإرادة الطلاق الموصلة إلى اتخاذ الإجراءات والتي ينتج عنها انفصام عرى الزوجية، لا يجب أن تقوم على هوى أو انفعالات الزوجين [أو أحدهما]. لذلك قال تعالى: "إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ"، ولم يقل إذا [غضبتم] من النساء، أو إذا [لم يسمعن الكلام] وقلتم لهن لا تخرجن فخرجن، أو إذا كنتم [بتهزروا]، أو إذا كانت امرأتك هي التي [تمثل أمامك في مشهد تمثيلي] وقلت لها: أنتي طالق فتصبح طالقا في واقع الأمر.....!!!!
كل ذلك لا علاقة له بحقيقة الطلاق في الشريعة الإلهية.
ثم تأتي المرحلة الثانية: وهي مرحلة اتخاذ إجراءات الطلاق، والسير في طريق إيقاعه وإطلاق الرجل سراح امرأته، والتي تبدأ عند أول يوم تطهر فيه من حيضتها "فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ".
ولماذا قال سبحانه: "فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ" ولم يقل للعدة، لأن العدة تختلف من امرأة لأخرى: فعدة الحامل: أن تضع حملها. وعدة غير الحامل [التي لا تحيض] 3 أشهر قمرية. و[التي تحيض] عدتها ثلاثة مدد متوالية كل مدة تشمل حيضا وطهرا معا. ولكن لماذا العدة، ولماذا كل هذه الضوابط التي تحيط بها؟ أقول:
أولا: لأن قرار الطلاق يجب أن يتخذ والنفوس هادئة، لا غضب، أو انتقام لموقف معين، إلى آخره. ففترة العدة فترة علاج وتهذيب وإصلاح وموعظة، واختبار لمدى جدية نية وإرادة الطلاق، وما إذا كان حقيقيا أم انفعالا وغضبا مؤقتا. لذلك قال تعالى في ختام الآية الأولى: "لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً". فإن فشلت محاولات التوفيق والإصلاح، خلال فترة العدة، وأصر كل من الزوجين [أو أحدهما] على قراره، فهذا دليل على تغير المشاعر القلبية، ويصبح من العبث استمرار هذه الحياة الزوجية.
وثانيا: أن في توقف العلاقات والمشاعر الحميمة بين الطرفين وهما في بيت واحد، يجعل كل طرف يعيد حساباته مرة أخرى، أثناء هذه الفترة الطويلة للعدة، مما يُحدث في كثير من الحالات تحولا إيجابيا في الروابط الزوجية والأسرية، فتزداد هذه الروابط تمسكا، خاصة كلما اقتربت فترة العدة على الانتهاء. ولما كانت فترة الحيض فترة آلام وتغيرات في طبيعة المرأة قد ينتج عنها توتر عصبي، أو تغير في مظهرها الجمالي، فإن من رحمة الله تعالى أن أمر الزوج ألا يبلغ امرأته بنية الطلاق في هذه الفترة، لعل هذه الفترة تكون وراء قراره هذا. فإذا طهرت المرأة وعادت إليها حيويتها وهدوء نفسها وازينت لزوجها فقد تتغير نيته وإرادة طلاقها.
ومن إجراءات هذه المرحلة الثانية: [إحصاء العدة]، لقوله تعالى: "فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ" ـ "وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ"، أي أن حساب العدة يبدأ مع أول يوم تطهر فيه المرأة من حيضتها أو مع ظهور الحمل. ولم يقل سبحانه وتعالى: "وأحصين العدة" وذلك لبيان أن النساء لا ينفردن وحدهن بهذا الإحصاء ولكن للأهل والحكمين دورًا أيضا في إحصائها، وأن المرأة أثناء فترة العدة ما زالت زوجا أمام المجتمع.
ومن إجراءات هذه المرحلة: تحلي من بيدهم مراقبة ومتابعة إجراءات الطلاق، بتقوى الله، لقوله تعالى بعدها: "وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ". إنه تحذير من اتباع الهوى في أحكام الطلاق والعدة، وبيان لأهمية الدقة في حسابها، لأنه سيتوقف على ذلك قرار الطلاق المصيري.
ومن إجراءات هذه المرحلة: أن تقعد المرأة خلال فترة العدة في بيت الزوجية معززة مكرمة، لقوله تعالى: "لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ" ـ "إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ"، أي بفعل محرم ظاهر ظهوراً بيناً. ثم تدبر قوله تعالى بعدها: "وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ"، فهذه هي شريعة الله التي حد لها حدودا واجبة الاتباع، فلا يجوز للإنسان أن يصطنع لنفسه حدودًا غيرها، فلمشرع هو الله وحده. "وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ" ـ "لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً"، فلا قيمة لحياة زوجية لا تحكمها الضوابط والقوانين الإلهية، والمجتمع الذي لا يحترم النظام الإلهي يحطم بعضه بعضا ويسوده الظلم.
ثم تأتي المرحلة الثالثة والأخيرة: وهي مرحلة وقوع الطلاق وانفصام عرى الزوجية: فإذا انتهت العدة ولم يمسك الزوج بزوجه، وأطلق لها العنان لتبين منه [أي لتبعد عنه وتفارقه] فقد انقطعت عرى الزوجية، وهنا يقع [الطلاق الأول]، ويصبح من حق أي مسلم أن يتقدم لخطبة المرأة المطلقة [بما فيهم الزوج السابق] ومن حقها أن تقبل أو ترفض.
ولكن انظر إلى حرص الشريعة الإلهية على استمرار وتواصل العلاقة الزوجية بعد انفصالها. إنها تأمر المجتمع المحيط بالزوجين أن يذلل أمامهما كافة الصعاب التي تحول دون عودتهما إلى بيت الزوجية مرة أخرى، فيقول تعالى في سورة البقرة [الآية 232]:
"وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ....".
وتدبر قوله تعالى: "فَلا تَعْضُلُوهُنَّ"، والذي يبين أن قرار استئناف العلاقة الزوجية بعقد نكاح جديد هو قرار أيضا عائلي يشترك فيه كافة الأطراف المعنية بهذا الرباط المقدس، من شهود وحكام وأقارب، لوضع الأسس التي تضمن لهذا الزواج الجديد حياة مستقرة سعيدة.
إن قوله تعالى: "فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ"، أي إذا أشرفن على الخروج من العدة ـ "فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ"، دليل على أن الطلاق لا يقع قبل انتهاء العدة، وأن العلاقة الزوجية أثنا هذه الفترة لا تزال قائمة، يمسك الزوج بزمامها، ويرث الزوجان كل منهما الآخر. فالإمساك "فَأَمْسِكُوهُنَّ" رجوع عن [إرادة وإجراءات تنفيذ الطلاق] على سبيل الاستعارة، والفراق "فَارِقُوهُنَّ" تنفيذ لقرار الطلاق وتركهنّ ليخرجن من العدّة ويَبِنّ.
إن [إرادة الطلاق] بمثابة وعد بالانفصال، وهو ليس طلاقا، وهذا ما نفهمه من قوله تعالى في بداية السورة "إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ". فالطلاق يقع إذا لم يمسك الزوج امرأته حتى انتهت عدتها، ويصبح من حقها بعد ذلك أن تنكح زوجا آخر فور وقوع هذا الطلاق.
إذن فنحن هنا أمام حالتان:
إما أن [يمسك] الزوج امرأته قبل انتهاء العدة: وهنا لا يقع الطلاق، ولم يشترط الله تعالى لهذا الإمساك شروطا أو صيغة معينة كما اشترط في الطلاق، وذلك تسهيلاً للرجعة والإبقاء على هذا الكيان الأسري.
وإما إن [يُفارق] الزوج امرأته، فلا يمسكها حتى تنتهي عدتها، وهنا يقع الطلاق. ولقد استخدم القرآن أيضا فعل [التسريح] لبيان إطلاق سراح المرأة وانفصام عرى الزوجية، فقال تعالى في سورة [البقرة 231]: "فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ".
فما هو هذا المعروف؟ٍ
المعروف: هو ما تعارفه الأزواج وتفرضه عليهم ضوابط وحدود "آية الزواج" [السابق الحديث عنها في مقال الأسبوع الماضي]. وهذا الشرط يبطل إيقاع الطلاق الفوري دون استيفاء الشروط السابق الحديث عنها. لأنه لا يمكن تحقق هذا المعروف في جو التشفي، والأذى، وسوء الخلق، الذي غالبا ما قد يصاحب حالة الغضب والتشنج إذا ما أوقع الزوج الطلاق في هذا الجو وذهب ليوثقه عند المأذون، كما يفعل معظم المطلقين!!
ومن شروط إيقاع الطلاق في هذه المرحلة الأخيرة [الإشهاد] لقول الله تعالى:
"وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ".
فإذا تدبرنا سياق الآيات من أوّل السورة وإلى الآية السابعة نجد أنّها تتحدث عن أحكام موضوع واحد هو الطلاق، والذي سميت السورة باسمه، مما يؤكد، وبما لا يدع مجالا للشك، أن الأمر بالإشهاد هنا يقصد به وجوب الإشهاد على الطلاق، وأنه فريضة، ولا يجب أن يكون محل خلاف بين العلماء مطلقا.
فلا يقع الطلاق عند انتهاء العدة إلا في حضور شاهدي عدل. وكيف لا وقد قال الله بعدها: "وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّه"، أي امتثالا لأمره ولشريعته، لا لأجل المشهود له، ولا لأجل المشهود عليه، ولا لأجل منفعة الشاهد. ومما لاشك فيه أن هذه الشهادة لا تقوم إلا إذا كان المخاطبون بها يتقون الله. لذلك قال تعالى بعدها:
ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ.
فتعليل الإشهاد بأنّه يوعظ به من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر يؤكد ذلك، لاَنّ حضور الشهود العدول الذين يتقون الله لا يخلو من موعظة حسنة يزجونها إلى الزوجين، فتكون لهما مخرجا من الطلاق. فقال تعالى بعدها:
"... وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً .... وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ..... وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ .... إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ... قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً [3]
ومما سبق بيانه من مراحل يجب أن يمر خلالها قرار الطلاق قبل وقوعه، نعلم أنه يستحيل أن يقع هذا الطلاق بناء على انفعالات تصحبها [أيْمَان] تحمل [قرارات] يجد المرء نفسه بعدها في وضع لم يكن هو الذي يريده، فهناك قيود وشروط وعلاجات يجب أن تستنفذ قبل إيقاع الطلاق.
فكم من النساء طلقن بفتاوى غير مسئولة وهن ما زلن عند الله أزوجا؟؟!!
إن معظم حالات الطلاق التي هَدَمَت بها المذاهب الفقهية بيوت الزوجية قامت أصلا على [أيْمان]، وكل يمين يمنع صاحبه عن فعل خير، أو صلة رحم، أو المحافظة على كيان أسرته، فهو لغو يوجب فقط الكفارة وليس الطلاق.
لذلك سبقت أحكام الطلاق في سورة البقرة هذه الآيات:
وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ.....[224] لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [225].
ويقول الله تعالى في سورة المائدة:
لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ ....." [الآية89].
إن الله تعالى يغفر لكم ما جرى على ألسنتكم مما لا تقصدون حقيقته رحمة بكم، فهلا شكرتموه؟! ولكن كثيرًا من أنصار المذهبية لا يريدون تفعيل هذه الرحمة الإلهية في بيت الزوجية، فيوقعون الطلاق على أساس هذه [الأيْمان]، كاليمين المشهور: "عليَّ الطلاق لأفعلن كذا".
وهنا يكون أمام الحالف خياران: إما أن يفعل وإما أن يطلق!!
فانظر كم من البيوت خربت وهدمت بمثل هذه الفتاوى، والتي تشجع الأزواج على اتخاذ مثل هذه [الأيْمان] سوطا يهددون به أزواجهم ظلما وعدوانا ثم بعد ذلك يذهبون إلى فقهائهم يصرخون ويبكون ويعتذرون.
إن من حق الزوج أن يهجر زوجه في المضجع كمرحلة من مراحل العلاج في حالة الخوف من نشوزها، ولكن قد يستغل الزوج هذا الأمر ويحوله إلى قرار دائم بألا يقرب امرأته، وذلك للإضرار بها، فيحرمها عليه كتحريم أمه، وهو ما يعرف بـ [الظهار]. يقول الله في سورة المجادلة:
الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ ...." [الآية 2]
ثم يقول تعالى بعدها:
وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [3]
إن تشبيه الزوجة بالأم وتحريم معاشرتها [ليس طلاقا] ولكن معصية يجب التوبة منها والإقلاع عنها، فمن وقع في ذلك أول مرة فإن الله لعفو غفور، ومن عاد فكفارة قبل أن يتماسا، ثم يقول تعالى:
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [4]
ولنتدبر جيدًا قوله تعالى:
"وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ".
وقد يقسم الزوج ألا يقرب زوجه وهو ما يعرف شرعا بـ [الإيلاء] فأعطى الله تعالى الزوجين فترة من الوقت يبحثان خلالها أسباب الخلاف قبل العزم على الطلاق، فقال تعالى بعد آيات سورة البقرة السابق ذكرها والخاصة بالتحذير من اللعب بـ [الأيمان]:
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [226] وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [227]
إذن فقد ينتج عن غضب الزوج أن يقسم بـ [الظهار] أو [الإيلاء]، وكلها ثمرة حالة نفسية يصل إليها الزوج في ظروف خاصة. فانظر إلى المهلة الطويلة التي أعطاها المشرع الحكيم للأزواج لبحث سبل علاج مشكلاتهم قبل العزم على الطلاق، وقبل إيقاعه. فإن عادوا إلى حالتهم الطبيعية "فَإِنْ فَاءُوا" فإن الله يغفر للزوج ذنبه أن أقسم ألا يقرب امرأته في حق لها قد سلبها إياه.
لقد نزلت الآيات لحماية المرأة من تعنت زوجها وهجرها فترة طويلة دون سبب يدعو لذلك، سواء أقسم ألا يقربها أو لم يقسم. كما تبين أن الطلاق لا يقع بكلمة تقال في حالة غضب وإنما بعزم يخرج من القلب "وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ" بعد تبين أوجه العيوب التي يستحيل معها دوام الحياة الزوجية، ثم اتخاذ الإجراءات الموصلة إلى إيقاع الطلاق.
إن قرار الطلاق يجب أن يعيش فترة طويلة في [وجدان] الزوجين، أو أحدهما، قبل أن يخرج [جملة] على لسانه.
لقد بين الله تعالى في الآيات السابقة من سورة البقرة أن [الأيْمان] غير قرار [الطلاق]. فيمكن للمرء أن يرجع عن موضوع [الأيْمان] بالتوبة والكفارة. أما قرار الطلاق فأمر آخر، له نظامه الخاص وشروط وقوعه، فقال تعالى بعدها:
وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ....[الآية 227]
ثم بين بعدها الإجراءات الواجب ابتاعها لإيقاع هذا الطلاق فقال تعالى:
وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ.....[الآية 228]
ثم قال تعالى:
الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ....[الآية 229]
فالطلاق الذي يحل للزوج إمساك امرأته بعده مرتان, أي فترتان [من المراحل السابق بيانها] يتم خلال كل فترة منهما ردها في زمن العدة السابق الإشارة إليه في الآية السابقة.
ولسنا أمام موقف واحد يقول فيه الزوج: "علىَ الطلاق بالثلاثة"!!
إن هذه المرحلة من مراحل الطلاق هي بمثابة مرحلة علاجية تحمل إنذارا للطرفين بقرب قطع الرابطة الزوجية، وقد تقطع نهائيا. فنحن أمام موقفين مختلفين حدثا على فترتين متباعدتين لكل فترة ظروفها الخاصة، والتي يحاول كل طرف استنفاد ما في وسعه لعلاج مشاكلها والإبقاء على علاقته الحميمة بالآخر.
الموقف الأول [الطلقة الأولى]:
أن يبلغ الزوج امرأته بنيته في أن يطلق سراحها، بعد أن يكون قد تفاعل هذا القرار في وجدانه، ووجد أن الانفصال عن امرأته هو الحل الأمثل. وهذه المرحلة هي ما سبق تسميتها بمرحلة [الإرادة الداخلية]. هنا عليها أن تعتد وتحصي العدة، كما سبق بيانه عند حديثنا عن آيات سورة الطلاق، وهي للمرأة الحائض ثلاثة قروء كما قال تعالى في سورة البقرة:
وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ..." [الآية 228]
والخطاب هنا للمرأة المراد إطلاق سراحها لإرشادها إلى ما يجب عمله في حالة طلاقها: الانتظار بدون مباشرة زوجها لها حتى تنتهي عدتها [وهي هنا ثلاثة قـروء]. ومادة "قرء" تعني جمع الأشياء وضمها [فالقارئ هو من يجمع الكلمات لقراءتها]. والقرء فترة زمنية يجتمع فيها الطهر والحيض في مكان واحد، وهو رحم المرأة.
والهدف من التربص هو استبراء رحم المطلقة والتأكد من خلوه من الحمل بتكرر الحيض. والله تعالى يحذر المطلقة من إنكار حملها نكاية في زوجها لتقطع عليه طريق الرجعة. وقول الله تعالى:
وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً.... [228]
يعني أن إرادة الطلاق غير قرار الطلاق، وأن هذه الإرادة ليست قطعا للرابطة الزوجية ما دامت المرأة [لم تخرج من عدتها] تلك الفترة التي يسعى كل طرف خلالها إلى مراجعة نفسه ومحاولة إصلاح ذات البين. فإذا [خرجت المرأة من عدتها] فقد انقطعت عرى الزوجية وأصبح لا يحل للمطلق ردها إلا بزواج جديد وشروط جديدة.
إن الرجل الجاد في عزمه إطلاق سراح امرأته، والذي لم يتغير موقفه هذا بعد انتهاء فترة حيضها، لن يجد حقيقة في نفسه ما يدعو إلى مباشرتها بعد طهرها، لأن إعطاء نفسه هذا الحق يعني أنه غير جاد في عزمه طلاقها. أما إذا أصر على قراره، وأبلغها به، فإن عليها أن تحصي عدتها عند أول طهر لها، وإحصاء العدة عمل ينتهي إما بالإمساك أو بالتسريح.
إذن فلا يقع طلاق:
ــ في فترة حيض.
ــ ولا في طهر باشر الزوج فيه امرأته. ـ
ــ ولا قبل استنفاذ كافة أساليب علاج الخلافات الزوجية بمعرفة الحكمين أو الجهات المتخصصة.
ــ ولا في غياب الشهود.
أما الموقف الثاني [الطلقة الثانية]:
فينطبق عليها كل ما سبق بيانه بالنسبة للطلقة الأولى [بمراحلها الثلاث]، وفي إطار قول الله تعالى:
الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ .... [229]
الطلقة الثالثة:
فهل من حق الزوج بعد الطلقة الثالثة أن يمسك امرأته في بيت الزوجية كما سبق في الطلقتين السابقتين [الآية 229 من سورة البقرة] وذلك للعمل على إصلاح ما عكر صفو الحياة الزوجية؟
هنا يقول الله تعالى في الآية [230]:
فَإِنْ طَلَّقَهَا [أي بعد الطلقتين] فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا [أي زوجها الجديد] فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا [أي الزوج الأول ومطلقته] أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [230]
أي أنه بعد هذه الطلقة الثالثة لا تحل المطلقة لزوجها السابق مرة أخرى فور إطلاق سراحها [كالحال في الطلقتين السابقتين] إلا إذا شقت طريقا آخر، وأقامت علاقة زوجية مع زوج آخر، ثم حدثت ظروف [طبيعية] أدت إلى قطع هذه العلاقة الزوجية، كوفاة الزوج أو طلاقها منه. هنا يحل لها الرجوع إلى زوجها السابق إن ظنا أن يقيما حدود الله.
ولقد ختم الله تعالى الآية السابقة بقوله تعالى:
".... وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [230]
وختم الآية التي قبلها بقوله عز وجل:
"..... تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ [229]
وذلك لبيان أن حدود الله يحرم تعديها باجتهادات مذهبية ما أنزل الله بها من سلطان، هدمت كيان أسر ما كان ينبغي لها أن تهدم.
إن إجماع علماء عصر معين على مسألة تخالف صريح القرآن ليس حجة في دين الله تعالى، حتى وإن أصبح هذا الإجماع عرفا سائدا بين الناس، ذلك لما يترتب عليه من مفاسد ومن عبث بحقوق الناس لا يعلم عواقبه إلا الله العليم الحكيم.
وإن من إشكاليات النظر في الأحكام الفقهية التراثية أن معظمها ينطلق من دائرة التقليد لرؤية السلف لمسائلها المرتبطة بظروف وإمكانات عصورهم [تحت شعار الإجماع]، والتي غالبا ما ينقصها ما يناسب تحديات وظروف العصور اللاحقة.
ومع ذلك فإن هناك قواعد أساسية لا تخضع لرؤى واجتهادات الفقهاء على مر العصور. من ذلك ما يجب أن يقوم عليه سكن الزوجية من [مودة ورحمة]. فأي اجتهادات تمس هذا الأساس لا تقبل. وأي إجراءات تقف أمام نمو ورسوخ هذا الأساس لا تقبل.
وسأختم مقالي بمقاطع من بعض الآيات أرجو أن يتدبرها القارئ الكريم جيدا ليقف على حقيقة مقاصد الشريعة الإلهية فيما يتعلق بـ "آية الزواج":
تدبر قوله تعالى في سورة الروم:
وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [21]
وقوله تعالى في سورة البقرة:
الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ .... [229]
وقوله تعالى في في نفس السورة:
وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ .... [231]
وتدبر قوله تعالى في سورة الأحزاب:
"..... فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً [49].
فهل يمكن أن نتصور، بعد كل ما سبق بيانه، وفي ظل ما جاءت به هذه الآيات من مقاصد عليا، أن تحدث إهانة، أو صورة من صور العنف بين الزوجين، ثم تستمر العلاقة الزوجية بعد أن تهدمت قواعد المودة والرحمة التي قامت عليها؟؟
طبعا يستحيل، لأن الشريعة الإلهية شريعة [حماية ووقاية]، لا تنتظر حتى يقوم الصراع [أو العنف] الزوجي ثم تبدأ في التحرك بالعلاج.
د/ محمد السعيد مشتهري
|